الشيخ محمد الصادقي الطهراني

264

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

الرسالة ، تخفيفاً عن كواهلهم هنا وهناك ، فتراه تتكرر في مختلف الصور ، وفي الطول والقِصَر ، اللّهم إلّا قصة يوسف حيث الحكمة اقتضت إفرادها في مجالها المناسب . « ورتلناه ترتيلًا » لفظياً كممتاح لترتيل معنوي ، تدرجاً لنزول أمطار الوحي الغزير على أفئدة المؤمنين ، وكما يروى عن النبي صلى الله عليه وآله : « إذا قرأت القرآن فرتله ترتيلًا وبيِّنه تبييناً ، لا تنثره نثر الدقل ولا تهذّه هزَّ الشعر ، قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ولا يكونن هم أحدكم آخر السورة » . « 1 » فلتكون القلوب داعية الحركة بدوام البركة ، فتتفأد بأنوار المعرفة دائبة ، فلا تقف عَجَلة السير فيها ، لذلك « رتلناه ترتيلًا » ونزلناه نجوماً . لقد نزل القرآن لإنشاء أمة في الطول التاريخي والعرض الجغرافي ، وليقيم نظاماً دائماً قويماً ، والتربية بحاجة إلى تدرُّج في موادها ، وإلى حركة تترجم التأثر والإنفعال إلى واقع المُرام ، وليست النفس البشرية لتتحول قفزة من اللّا شيء إلى كل شيء . لذلك ينزل القرآن منجَّماً وفق الحاجات الحية للعالمين ، وهي في طريق نشأتها ونموها ، حسب الإستعدادات الموهوبة في ظلال المنهج التربوي الرباني الدقيق العميق . أوامر ونواهي يومية ، وإنباءات تلوَ بعضٍ فتُجدِّد الجانب المعرفي والحالة العملية ، يتلقاها المسلمون في أحيانها المطلوبة فيها ، المحتاج إليها ، ليعلموا بها فور تلقيها ، كما يتلقى الجندي في ثكنته أو في خط النار ليطبِّق واجبة ساعة فساعة ، ويوماً فيوماً . لقد عاش ذلك القرآن العظيم والمعجز العميم طول زمن الرسول ، وليكون على حجة وبينة دائبة على طول الخط ، وليعلم الناس أنه ليس من عنده ، ولو كان لما انتظر في إجابات عن سؤالات نزولَ الوحي ، وليزداد هو والمؤمنون علماً بعد علم ، فيعيشوا نَظِرة الرحمة الإلهية دائبين ودونما انقطاع . وأما أن كتابات الوحي السالفة إنما نزلت جملة واحدة لأنها نزلت على أنبياء يقرئون

--> ( 1 ) . الدر المنثور 6 : 277 - اخرجه الديلمي عن ابن عباس مرفوعاً عنه صلى الله عليه وآله واخرجه العسكري في المواعظ عن علي عليه السلام عنه صلى الله عليه وآله